ابن تيمية

71

مجموعة الفتاوى

وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ فَبِعَفْوِهِ يَمْحُو السَّيِّئَاتِ وَبِرَحْمَتِهِ يَأْتِي بِالْخَيْرَاتِ وَبِفَضْلِهِ يُضَاعِفُ الْبَرَكَاتِ . وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ ضَلَّ طَائِفَتَانِ مِن النَّاسِ : " فَرِيقٌ " آمَنُوا بِالْقَدَرِ وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ فَأَعْرَضُوا عَنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَهَؤُلَاءِ يَؤُولُ بِهِمْ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يَكْفُرُوا بِكُتُبِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَدِينِهِ . وَ ( فَرِيقٌ أَخَذُوا يَطْلُبُونَ الْجَزَاءَ مِن اللَّهِ كَمَا يَطْلُبُهُ الْأَجِيرُ مِن المُسْتَأْجِرِ مُتَّكِلِينَ عَلَى حَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ وَعَمَلِهِمْ وَكَمَا يَطْلُبُهُ الْمَمَالِيكُ وَهَؤُلَاءِ جُهَّالٌ ضُلَّالٌ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ الْعِبَادَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ حَاجَةً إلَيْهِ وَلَا نَهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ بُخْلاً بِهِ وَلَكِنْ أَمَرَهُمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا فِيهِ فَسَادُهُمْ وَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ : { يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي } فَالْمَلِكُ إذَا أَمَرَ مَمْلُوكِيهِ بِأَمْرِ أَمَرَهُمْ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِمْ وَهُمْ فَعَلُوهُ بِقُوَّتِهِمْ الَّتِي لَمْ يَخْلُقْهَا لَهُمْ فَيُطَالِبُونَ بِجَزَاءِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ فَإِنْ أَحْسَنُوا أَحْسَنُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَهَا لَهُمْ مَا كَسَبُوا وَعَلَيْهِمْ مَا اكْتَسَبُوا { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ : { يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تظالموا يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ